أبي منصور الماتريدي
428
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كالأضداد ليعلم أنه تدبير واحد ؛ حيث صارت الأضداد كالأشكال ، والأشكال كالأضداد في حق المنفعة . وقوله - عزّ وجل - : وَحَفِظْناها يعني : السماء ، مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ذكر أن الشياطين كانوا يصعدون السماء فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة ، مما يكون في الأرض ؛ من غيث وغيره ، ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة ؛ فيخبر الكهنة الناس ، فيقولون : ألم نخبركم [ بالمطر ] « 1 » في يوم كذا وكذا ، وكان حقّا ، ثم منعوا عن ذلك - عن صعودهم - أعنى السماء ، وحفظوا عنهم ، فجعلوا يسترقون السمع ، فسلط الله الشهب عليهم ، حتى يقذفون ؛ وهو قوله : وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ . دُحُوراً [ الصافات : 8 ، 9 ] وقوله : فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [ الصافات : 10 ] . ويحتمل وَحَفِظْناها : أي : أهلها من الشيطان الرجيم لما ذكرنا من ذكر أشياء من القرية والمصر والعير ، وغيره ، والمراد منه : أهله ، فعلى ذلك هذا ، إلا أن أهل السماء بأجمعهم أهل ولاية الله ؛ وأهل طاعته ، وأما أهل الأرض : ففيهم من الغاوين الضالين ، فهم أولياء الشيطان ؛ كقوله : إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ . . . الآية [ النحل : 100 ] . ويحتمل حفظ السماء نفسها : بالملائكة ، وهو ما ذكر : وَيَقْذِفُونَ . . . * الآية . ويحتمل : بالشهب ؛ التي في غير آي من القرآن . وقال بعضهم « 2 » : رَجِيمٍ : اللعين ، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود : من كل شيطان لعين واللعين : - في اللغة - : فهو المطرود المبعد ، وهو على ما ذكر دُحُوراً . وقوله - عزّ وجل - : وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ [ ق : 7 ] وقال في آية أخرى : وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [ الأنبياء : 31 ] يعني الجبال ، في ظاهر هذا أن الأرض كأنها تضطرب وتنكفئ بأهلها ، فأثبتها بالجبال ، وإلا من طبعها التسفل والانحدار ، وكذلك الجبال من طبعها التسفل والانحدار ، فكيف كان ثباتها بشيء [ كان ] « 3 » طبعه التسفل والتسرب ؟ إلا أن يقال : إن طبعها كان الاضطراب والانكفاء فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء ؛ أو أن يقال : من طبعها ما ذكرنا : التسفل والانحدار ؛ إلا أن الله - بلطفه - أثبت ما هو طبعه التسفل ، بما « 4 » هو طبعه كذلك ؛ ليعلم لطف الله وقدرته ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) قاله قتادة ، أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 177 ) . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : ما .